اسماعيل بن محمد القونوي
16
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
هذا حجاج الخ . قوله : ( قيل هذا حجاج على من زعم أن عيسى كان ربا ) هذا إشارة إلى قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ [ آل عمران : 5 ] إلى هنا تقريره أن الرب الحقيقي لا بد أن يكون موصوفا بكمال العلم ونهاية القدرة وتصوير الأشياء بصور مختلفة والعظمة والحكمة وعيسى عليه السّلام ليس كذلك بداهة واتفاقا فينتج أن الرب الحقيقي لا يكون عيسى من الشكل الثاني ويعكس إلى أن عيسى لا يكون ربا وهو المطلوب قوله نزلت السورة الخ يقتضي ظاهره أن المشار إليه بهذا الوصف المذكور من أول السورة إلى هنا وهو الأولى ويؤيده قوله عليه السّلام لوفد نجران حين قالوا إن لم يكن عيسى ولد اللّه فمن أبوه ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه إياه قالوا بلى قال عليه السّلام : « ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى عليه السّلام يأتي عليه الفناء » قالوا بلى قال عليه السّلام : « ألستم تعلمون أن اللّه تعالى : لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ قالوا بلى قال عليه السّلام : « فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علم » قالوا لا قال عليه السّلام : « ألستم قوله : هذا حجاج على من زعم أن عيسى كان ربا أي هذه الآية وهي قوله : هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ [ آل عمران : 6 ] مع ما قبله من قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ [ آل عمران : 5 ] محاجة واحتجاج على النصارى القائلين إن عيسى كان ربا احتج به على أن عيسى ليس ربا بأنه مصور في الرحم احتجاجا على وجهين أحدهما أن اللّه تعالى صوره في الرحم كما صور غيره فكما أن غيره عبد اللّه كذلك هو عبد والعبد لا يكون ربا والثاني أنه لما كان مصورا في الرحم يخفى عليه شيء وأقله تصويره في الرحم واللّه لا يخفى عليه شيء روي أن صدر هذه السورة إلى بضع وثمانين آية نزلت في وفد نجران وكانوا ستين راكبا فمنهم أربعة عشر من أشرافهم وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر يؤول أمرهم العاقب وهو أمير القوم والسيد صاحب رحلهم وأبو حارثة بن علقمة حبرهم وإمامهم قدموا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ودخلوا مسجده حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرة جبب وأردية من رآهم من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول ما رأينا وفدا مثلهم وقد حانت صلاتهم فقاموا يصلون في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فصلوا إلى المشرق فكلم العاقب والسيد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أسلما فقالا قد أسلمنا قبلك قال كذبتما يمنعكما من الإسلام دعاؤكما للّه ولدا وعبادتكما للصليب وأكلكما الخنزير قالا فإن لم يكن ولدا للّه فمن أبوه وخاصموه جميعا في عيسى عليه السّلام فقال لهما النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم « ألم تعلموا أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى عليه السّلام يأتي عليه الفناء » قالوا بلى قال « ألستم تعلمون أن ربنا قيوم كل شيء ويحفظه ويرزقه » قالوا بلى قال « فهل يملك عيسى من ذلك شيئا » قالوا لا قال « ألستم تعلمون أن اللّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء » قالوا بلى قال « فهل يعلم من ذلك عيسى شيئا » قالوا لا قال « فهل تعلمون أن اللّه يصوركم في الرحم كيف يشاء وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يموت » قالوا بلى قال « ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ولدها ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يتغذى الصبي ثم كان يطعم ويشرب ويحدث » قالوا بلى قال « فكيف يكون هذا كما زعمتم » فأنزل اللّه تعالى فيهم صدر هذه السورة إلى آية المباهلة تصديقا له صلّى اللّه عليه وسلّم .